مجد الدين ابن الأثير

162

المختار من مناقب الأخيار

وقال عبد اللّه بن يزيد القرشي : إنّ يزيد بن الأسود الجرشيّ كان يسير هو ورجل من أهل حمص يقال له عمرو في أرض الرّوم ، فبيناهما يسيران إذ سمعا مناديا ينادي : يا يزيد بن الأسود ، إنّك لمن المقرّبين ، وإنّ صاحبك لمن العابدين ، وما نحن بكاذبين ، وإنّا على ذلكم من الشاهدين . قال : فكان هذا يقول لهذا : أنت نوديت ، وهذا يقول لهذا : أنت نوديت . قال : فكان الأوزاعيّ يقول إذا ذكر هذا الحديث : إلى هذا انتهى الفضل « 1 » . وقال أبو اليمان : إنّ يزيد بن الأسود قال لقومه : اكتبوني في الغزو . قالوا : قد كبرت وضعفت ، وليس بك غزو . قال : سبحان اللّه ! اكتبوني في الغزو ، فأين سوادي في المسلمين ؟ ! قالوا : أمّا إذ فعلت فأفطر وتقوّ على العدوّ . قال : ما كنت أراني أبقى حتى أعاتب في نفسي ، واللّه لا أشبعها من طعام ، ولا أوطئها من منام حتى تلحق بالذي خلقها . وقال أبو مسعدة الجرشيّ : كان يزيد بن الأسود - وكانوا يرون أنّه من الأبدال - قد حلف - واللّه فبرّ - ألّا يضحك أبدا ، ولا ينام مضطجعا ، ولا يأكل سمينا أبدا . فما رئي ضاحكا ولا مضطجعا ، ولا أكل سمينا حتى مات رحمه اللّه « 2 » . وقال سليم بن عامر : إنّ السماء قحطت ، فخرج معاوية بن أبي سفيان وأهل دمشق يستسقون ، فلمّا قعد معاوية على المنبر قال : أين يزيد بن الأسود الجرشيّ ؟ فناداه الناس ، فأقبل يتخطّى ، فأمره معاوية فصعد المنبر ، فقعد عند رجليه ، فقال معاوية : اللّهمّ إنّا نستشفع إليك اليوم بخيرنا وأفضلنا ، اللّهمّ إنّا نستشفع إليك اليوم بيزيد بن الأسود الجرشيّ ، يا يزيد ، ارفع يديك إلى اللّه . فرفع يزيد يديه ورفع الناس أيديهم ، فما كان

--> ( 1 ) مختصر تاريخ دمشق 27 / 318 . ( 2 ) مختصر تاريخ دمشق 27 / 319 .